الخطيب الشربيني

314

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الله عز وجل هذه الآية . وقيل : لما نزل في نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ما نزل قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء فنزلت . تنبيه : عطف الإناث على الذكور لاختلاف جنسهما ، والعطف فيه ضروري لاختلافهما ذاتا ، وعطف الزوجين وهو مجموع المؤمنين والمؤمنات على الزوجين ، وهو مجموع المسلمين والمسلمات لتغاير وصفيهما . وليس العطف فيه بضروري بخلافه في الأول ؛ لأن اختلاف الجنس أشد من اختلاف الصفة ، وفائدة العطف عند تغاير الأوصاف الدلالة على أن أعداد المعد من المغفرة والأجر العظيم أي : تهيئته للمذكورين للجمع بين هذه الصفات ، فصار المعنى : أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات العشر أعد الله تعالى لهم مغفرة وأجرا عظيما . وقوله تعالى : وَما كانَ أي : وما صح لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أي : إذا قضى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وذكر الله تعالى لتعظيم أمره ، والإشعار بأنه قضاء الله تعالى . نزلت في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش ، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لما خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلم زينب على مولاه زيد بن حارثة ، وكان اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه ، فلما خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه ، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت : أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي ، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة ، وكذلك كره أخوها » « 1 » ذلك رواه الدارقطني بسند ضعيف ، وقيل : في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فزوجها من زيد أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أي : أن يختاروا من أمرهم شيئا ، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله تعالى ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم . تنبيه : الخيرة : مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس ، وجمع الضمير في قوله تعالى : لَهُمُ وفي قوله تعالى : مِنْ أَمْرِهِمْ لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث إنها في سياق النفي ، ويجوز أن يكون الضمير في من أمرهم لله تعالى ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم وجمع للتعظيم كما جرى عليه البيضاوي ، وقرأ أن يكون الكوفيون وهشام بالياء التحتية والباقون بالفوقية ، ولأنه صلّى اللّه عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، ومن عصاه فقد عصى الله تعالى كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ أي : الذي لا أمر لأحد معه وَرَسُولُهُ أي : الذي معصيته معصية الله تعالى لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم . وقوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ قرأه قالون وابن كثير وعاصم بالإظهار ، والباقون بالإدغام وزاد ذلك بقوله تعالى : ضَلالًا مُبِيناً أي : فقد أخطأ خطأ ظاهرا لا خفاء فيه ، فالواجب على كل أحد أن يكون معه صلّى اللّه عليه وسلم في كل ما يختاره ، وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلقا . يقول الشاعر « 2 » : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي عامدا * ما من يهون عليك ممن يكرم فلما نزلت هذه الآية رضيت زينب بذلك وجعلت أمرها بيد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكذلك أخوها

--> ( 1 ) أخرجه الدارقطني في سننه 3 / 301 . ( 2 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي .